![]() |
أنه لا يجوز نسخ أحدهما بدون نسخ الآخر. فلا يُنسخ المنطوق ويبقى المفهوم، ولا يُنسخ المفهوم ويبقى المنطوق. |
![]() |
وهذا المذهب اختاره ابن قدامة في "الروضة"، واختاره القاضي ناصر الدين البيضاوي في كتابه "منهاج الوصول إلى علم الأصول". |
![]() |
أنه لا يجوز نسخ أحدهما بدون نسخ الآخر. فلا يُنسخ المنطوق ويبقى المفهوم، ولا يُنسخ المفهوم ويبقى المنطوق. |
![]() |
وهذا المذهب اختاره ابن قدامة في "الروضة"، واختاره القاضي ناصر الدين البيضاوي في كتابه "منهاج الوصول إلى علم الأصول". |
![]() |
استدل أصحاب المذهب الأول: قالوا: لأن المفهوم لازم للمنطوق، ورفع اللازم يستلزم رفع الملزوم. هذا دليل المذهب الأول في المسألة، وهم الذين يرون: أن نسخ المنطوق يستلزم نسخ المفهوم والعكس صحيح. |
![]() |
أما المذهب الثاني فاستدل أصحابه على: أن نسخ أحدهما لا يستلزم نسخ الآخر، بأن إفادة اللفظ للمنطوق والمفهوم دلالتان متغايرتان، فجاز رفع كل واحدة منهما بدون الأخرى. |
![]() |
أما المذهب الثالث وهو الذي اختاره ابن الحاجب، فقد استدل على مدّعاه وهو: أن نسخ المفهوم يستلزم نسخ المنطوق دون العكس: أما أن نسخ المفهوم يستلزم نسخ المنطوق فلأن المفهوم لازم، ورفع اللازم يستلزم رفع الملزوم. وأما أن المنطوق لا يستلزم نسخ المفهوم فلأن المنطوق ملزوم والمفهوم لازم ورفع الملزوم لا يستلزم رفع اللازم، لجواز أن يكون الملزوم أخص واللازم أعم ورفع الأخص لا يستلزم رفع الأعم. |
![]() |
أما دليل المذهب الرابع وهو الذي اختاره الآمدي: إن جعلنا المفهوم الموافق من باب القياس، كان المفهوم فرعاً والمنطوق أصلاً، والفرع إنما ثبت حكمه لاعتبار علة أصله، فإذا نسخ حكم الأصل فقد زال اعتبار العلة، فيرتفع حكم الفرع تبعاً لذلك. يعني: لارتفاع حكم الأصل، بخلاف ما إذا نسخ حكم الفرع فإن حكم الأصل لا يزول أو لا يزال باقياً لوجود الدليل عليه مع عدم المعارض له، لأن رفع التابع لا يوجب رفع المتبوع. هذا إن جعلنا مفهوم الموافقة من باب القياس. |
![]() |
وإن جعل المفهوم الموافق من قبيل الدلالة اللفظية، فظاهر أن الدلالتين متغايرتان، فرفع حكم إحداهما لا يستلزم رفع حكم الأخرى. هذا حاصل دليل الآمدي -رحمه الله- على ما ذهب إليه. |
![]() |
فنقول: إن القياس -كما أوضحت لكم غير مرة- يشتمل على أركان أربعة: الأصل ويسميه العلماءك "المقيس عليه" أو "محل الوفاق"، والفرع ويسميه العلماء: "المقيس" أو "محل الخلاف" الذي يراد معرفة حكمه عن طريق إجراء القياس، وحكم الأصل وهو الحكم الذي ثبت بنص أو إجماع، والعلّة وهي: الوصف الظاهر المنضبط الذي يجمع بين الأصل وبين الفرع. |
![]() |
فإذا ورد نصٌ يفيد حكماً في محل ما، وقد علل هذا النص بعلة، وهذه العلة قد تكون منصوصة، وقد تكون مستنبطة. ومعنى العلة المنصوصة: التي نص الشارع عليها، ومعنى العلة المستنبطة: العلة التي اسـتخرجها المجتهد أو الفقيه بعد نظر وتأمل وبحث. فإذا ما ورد نصٌ يفيد حكماً في محل، وقد علل بعلة منصوصة أو مستنبطة، ثم وجدت هذه العلة في محل آخر، فحكم فيه بحكم الأصل لأن هذا معنى القياس: إلحاق مسألة أو واقعة لا نص فيها بواقعة فيها نص. |
![]() |
ثم ورد بعد ذلك نص فنسخ حكم الأصل، فهل يبقى بعد ذلك حكم الفرع، أو لا؟ |
![]() |
مثلاً: ثبت في الشرع حرمة الخمر، والعلة هي: الإسكار. وقاس العلماء النبيذ على الخمر، فقالوا: شرب النبيذ حرام قياساً على الخمر بجامع: الإسكار. فهب مثلاً -هو مثل افتراضي-: أن حكم الخمر نُسخ، هل يبقى حكم النبيذ الذي هو فرع، أم لا يبقى؟ |
![]() |
أظنكم الآن قد تصورتم المسألة. |
![]() |
وهو مذهب جمهور الأصوليين: قالوا: إنه إذا نسخ حكم الأصل فإن حُكم الفرع يُنسخ تبعاً له. فلو نسخنا الحرمة مثلاً في الخمر، تُنسخ الحرمة كذلك في النبيذ. |
![]() |
واختار هذا المذهب علماء كثيرون: كالكمال بن الهمام من الحنفية، والشيرازي والآمدي وابن السبكي من الشافعية، وابن الحاجب من المالكية، وابن قدامة من الحنابلة. |
![]() |
وبيان ذلك: أنه قد ثبت في حديث الأعرابي المشهور، و معنى الحديث: أن أعرابياً جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا رسول الله واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( أعتق رقبة )) . هذا حكم مَن واقع امرأته في نهار رمضان. فهم العلماء من هذا الحديث: أن الجماع في نهار رمضان يوجب الكفارة. |
![]() |
فما العلّة التي من أجلها أوجب النبي -صلى الله عليه وسلم- على من جامع امرأته في نهار رمضان أن يعتق رقبة؟ |
![]() |
لا جائز أن تكون العلة هي: كون هذا الأعرابي بذاته أو بعينه هو الذي واقع هذه المرأة -يعني: زوجته- بعينها. وإلا لو قلنا أن هذه هي العلة، فلغير هذا الأعرابي أن يواقع امرأته ولا نلزمه بكفارة. |
![]() |
ولا جائز أن تكون العلة مثلاً: أنه واقع امرأته في هذا العام، وإلا فالأعوام التي تليها لا تجب فيها كفارة. |
![]() |
ولا جائز أن تكون العلة: لأن هذا أعرابي، وعليه فأهل الحضر لهم أن يجامعوا. |
![]() |
ولا جائز أن تكون العلة: لأن هذه المرأة بعينها هي التي وقع عليها. |
![]() |
إذاً بقي أن تكون العلة هي: انتهاك حرمة شهر رمضان. |
![]() |
وعلى ذلك فالمجتهد له أن يلحق مَن أكل أو شرب متعمداً في نهار رمضان بمَن جامع امرأته في نهار رمضان. لماذا؟ لوجود العلة. فالعلة هنا هي: انتهاك حرمة الشهر في من جامع، والعلة في من أكل أو شرب متعمداً موجودة أيضاً وهي: انتهاك حرمة الشهر. فالكفارة في الأكل تكون ثابتة بالقياس على الجماع. فالذي جامع متعمداً في نهار رمضان ألزمناه بعتق رقبة، ومن يأكل ويشرب متعمداً في نهار رمضان نلزمه بعتق رقبة، قياساً على الجماع، بناءً على العلة التي استنبطها المجتهد. |
![]() |
فإذا فرضنا والمسألة كلها فرضية: أن الشارع نسخ وجوب الكفارة في الجماع، فهل تبقى الكفارة في حق من أكل أو شرب؟ فقالوا: فإن وجوب الكفارة في الأكل يرتفع تبعاً لذلك، هذا كلام الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله. لأن العلة -وهي: انتهاك حرمة الشهر- قد زال اعتبارها بواسطة رفع الحكم الذي استنبطت منه. هذا حاصل دليل الجمهور وهو كما ترى أيها الدارس الكريم دليل قوي ودليل واضح وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. |
![]() |
الأمر الأول: قال: إن هذا إثبات نسخ في الفرع بالقياس على الأصل، يعني: كما جاز نسخ الأصل نسخنا الفرع، والنسخ بالقياس لا يجوز. |
![]() |
والأمر الثاني الذي استدلوا به: قالوا: إن الفرع لما ثبت فيه الحكم صار أصلاً، يعني: لما ثبتت الحرمة فيمن أكل أو شرب ووجوب الكفارة في حقه، صار الأكل أو الشرب عمداً بمنزلة الأصل. صحيح هو كان فرعاً لما قسناه على الجماع، لكن لما ثبت فيه الحكم صار أصلاً يعني قائماً بذاته، ولك أن تقيس عليه. هذا حاصل كلامهم. فيجب ألا يزول الحكم فيه بزواله في غيره. |
![]() |
أما الجواب عن الأمر الأول أو الدليل الأول للمخالف، فقال الجمهور: إنا لا نقول إن ذلك نسخ بالقياس، وإنما هو إزالة الحكم لزوال موجبه. يعني: الحكم زال فيمن أكل أو شرب متعمداً في رمضان لزوال موجبه وهو: زوال الحكم في الجماع. ولو كان ذلك نسخاً بالقياس، لوجب أن يقال: إن ذلك نسخ من غير ناسخ، وهذا لا يجوز. ولما لم يصح أن يقال هذا في العلة إذا أزيلت، لم يصح أن يقال ذلك في الأصل إذا ما زال. هذا الجواب عن الدليل الأول للمخالف. |
![]() |
وأما الجواب الثاني عن الدليل الثاني، فقال الجمهور: لا نسلّم أنه صار أصلاً بذلك يعني: الفرع لم يصر أصلاً بقياسه على غيره وإنما هو تابع لغيره. يعني: لا تسموه أصلاً، وإن كان لكم أن تسموه فسموه: تابعاً. فقالوا: لا نسلّم أنه صار أصلاً بذلك وإنما هو تابع لغيره ثبت الحكم فيه لأجله يعني: لأجل هذا الغير. لما ثبت وجوب الكفارة في الجماع، ثبت وجوب الكفارة في الأكل معتمداً، فإذا ما زال وجوب الكفارة في الجماع زالت وجوب الكفارة في الأكل. فإذا سقط حكم المتبوع سقط حكم التابع. |
![]() |
أن نسخ الحكم في المنطوق به يستلزم نسخ الحكم الثابت بمفهوم المخالفة، أو دليل الخطاب كما سماه ابن قدامة في "الروضة". وهذا هو مذهب ابن قدامة. لذلك هو يقول في "الروضة": "أو بدليل خطابه". |
![]() |
وهذا ]المذهب هو مذهب الجمهور[ وهو الصحيح إن شاء الله، ودليله ما سبق مما قلناه وهو: أن مفهوم المخالفة يعتبر فرعاً تابعاً للأصل، فإذا سقط حكم الأصل -وهو: حكم المنطوق به- سقط حكم الفرع. هذه مسلّمة. |
![]() |
ولك أن تستدل وتصيغ الاستدلال بطريقة أخرى فتقول: إن نسخ الأصل يستلزم نسخ مفهومه الذي هو مخالف له حكماً، لأنه إنما يدل على ضد الحكم باعتبار القيد المذكور، فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما ينبني عليه. ولك أن تقول في الدليل أيضاً: إن الدليل إنما هو تابع للّفظ، فهو تابع له وفرع عنه، فيستحيل أن يسقط الأصل ويكون الفرع باقياً. هذا هو المذهب الأول بدليله. |
![]() |
فقال أصحابه: يجوز أن ينسخ الحكم في المنطوق به مع بقاء الحكم الثابت بدليل الخطاب وهو مفهوم المخالفة. وقد ذهب إلى ذلك [بعض الشافعية، وهو وجه لبعض الحنابلة]. |
![]() |
وقد احتجوا بمثل ما احتج به أصحاب المذهب الثاني من المسألة الثالثة التي ذكرناها وأجبنا عن ذلك هناك فليراجع. |
![]() |
كون مفهوم المخالفة يأتي منسوخاً -يعني: ينسخه غيره- فهذا جائز، سواء نسخ الأصل أو لم ينسخ. وهو قول جمهور العلماء. بمعنى: يجوز نسخ حكم المسكوت الذي هو مخالف للمذكور، مع نسخ الأصل ودونه. وأما مثال نسخ المفهوم المخالف مع أصله فهو واضح؛ حيث إنه إذا نسخ الأصل وهو النص يُنسخ معه جميع ما يُفهم منه. |
![]() |
بقي أن نمثل بمثال توضيحي لهذه المسألة: نسخ وجوب الزكاة في السائمة ونفْيه في المعلوفة، الدال عليهما أي على الوجوب والنفي: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (( في سائمة الغنم زكاة )) . فبعد نسخ هذا الدليل الخاص بالسائمة، يرجع الأمر في المعلوفة إلى ما كان قبل الدليل الخاص ممّا دل عليه الدليل العام.. فالأشياء قبل ورود الشرع ينظر فيها، إن تحقق من ورائها منفعة فهي مباحة، وإن تحقق من ورائها مضرة فهي منهي عنها أو محرّمة. وعلى ذلك يرجع الأمر في سائمة الغنم إلى مسألة نسخ الوجوب أو إذا نسخ الوجوب بقي الجواز. هذا مثال توضيحي لنسخ مفهوم المخالفة مع نسخ أصله. وأما مثال نسخ المفهوم المخالف مع بقاء أصله فهو: ما أخرجه الإمام مسلم والترمذي، وأبو داوود والبيهقي عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( إنما الماء من الماء )) يعني: إنما يجب الغسل من إنزال المني. فقد نسخ مفهومه بما أخرجه البخاري ومسلم، والترمذي والنسائي، والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد، جميعاً عن عائشة -رضي الله عنها-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل )) ... |
| ... فالحديث الأول: (( إنما الماء من الماء )) يدل على: أن الغسل لا يجب إلا من الإنزال، والحديث الثاني يدل على: أن مجرد التقاء الختانين ولو بلا إنزال يوجب الغسل. فيقولون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فهنا بقي الأصل وهو: وجوب الغسل بالإنزال. أمّا كون مفهوم المخالفة يأتي ناسخاً، فقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب. إذاً قررنا الآن: أن مفهوم المخالفة يأتي منسوخاً هذا جائز، وقد مثلنا بمثال لنسخ المفهوم المخالف مع أصله، ومثال آخر لنسخ المفهوم مع بقاء أصله. |
![]() |
أنه لا يجوز أن يأتي مفهوم المخالفة ناسخاً. يعني: مفهوم المخالفة لا ينسخ غيره. ولكم أن تستحضروا مفهوم المخالفة من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( في سائمة الغنم زكاة )) ، منطوق الحديث: أن الغنم السائمة تزكى إذا بلغت النصاب، ومفهوم المخالفة: أن المعلوفة لا زكاة فيها. فهذا حاصل مفهوم المخالفة، فهل مفهوم المخالفة يكون ناسخاً لغيره؟ |
![]() |
قالوا: لا. لأن النص أقوى منه، النص أقوى من مفهوم المخالفة بمعنى: أن مفهوم المخالفة يضعف عن مقاومة النص، لأن مفهوم المخالفة إنما أخذ معناه من النص أصلاً، فالنص لا شك أقوى منه. فإذا كان مفهوم المخالفة أضعف من النص فإنه لا يستطيع أن يقاوم النص. وهذا المذهب هو الصحيح: أن مفهوم المخالفة لا يكون ناسخاً لغيره، وقد قطع به ابن السبكي -رحمه الله- في كتابه "جمع الجوامع". |
![]() |
فيرى أصحابه: أنه يجوز أن يأتي مفهوم المخالفة ناسخاً يعني: مفهوم المخالفة يكون ناسخاً لغيره لدليلٍ آخر. |
![]() |
قالوا: نعم، مفهوم المخالفة استفدته من النص، لكنه في معنى النص. وإذا كان في معنى النص فيجوز أن يُنسخ وأن يُنسخ به لأن النص يُنسخ ويُنسخ به. فكما أن النص يأتي ناسخاً كذلك مفهوم المخالفة يأتي ناسخاً، ولا فرق في ذلك. وهو مذهب بعض الشافعية، كأبي إسحاق الشيرازي وغيره... |
![]() |
نفرّق بين المفاهيم، لأن مفهوم المخالفة أنواع: مفهوم صفة، ومفهوم شرط، ومفهوم عدد... |
![]() |
قالوا: ننظر في نوع المفهوم: فإن كان نوع المفهوم المخالف من المفاهيم القوية كمفهوم الصفة، ومفهوم الشرط ونحوهما، فيجوز أن يكون ناسخاً لأنه قريب من المنطوق. |
![]() |
فكأن المذهب الثالث يفرق بين مفهوم المخالفة القوي ومفهوم المخالفة الضعيف. فإن كان مفهوم المخالفة قوياً كمفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، يجوز أن يكون ناسخاً لغيره. ودليلهم على ذلك: أنه يكون قريباً من المنطوق والمنطوق يكون ناسخاً ومنسوخاً. |
![]() |
قالوا: وإن كان من المفاهيم الضعيفة: كمفهوم العدد، ومفهوم اللقب، ونحوهما، فلا يجوز أن يكون ناسخاً. قالوا: نظراً لضعفه وعجزه عن مقاومة النص. |
![]() |
وبهذا نكون قد انتهينا من مسألة نسخ المنطوق والمفهوم الموافق، وما يتبع هذه المسألة. ولله الحمد والمنة. |